رماح جبر |
بعد الظهر ، قبل الظهر ، وما بينهما
رماح جبر
بعد الظهر يرفع سبابته يحك الجزء الأمامي من انفه ، يعدل نظارته من منتصفها ، ويلتفت إلى منتصفي ، يفتح فمه كأنه سينطق ثورة من الكلمات لكن لا حروف تخرج ، ولا ابتسامة حتى. ملأ دخانه الغرفة، تشكل الدخان على هيئة نساء واحدة ممتلئة بأرداف كبيرة، وأخرى قصيرة بكرش كبير ، ثالثة قصيرة بثديين ضئيلين، رابعة طويلة جدا فقط . اختبأن في زوايا الغرفة الكثيرة الأثاث ونظرن اليّ على التوالي .. ثم نظرن اليّ جميعهن هو لم يراهن، ولم يراني، كان ينفث الدخان، ويفكر .. حبس نفسه بين الكرسي وحافة الطاولة عند الباب مباشرة ، كي يفرّ قبل ان تقبض عليه رغبته . بدا منظر السجين مضحكا في البداية، ثم صار حزينا لأسباب لا اعرفها، وسرعان ما تحول هذا الحزن الى حقد وغضب عندما خرجت من فمه أول كلمة منذ ما يقارب الساعة. خرج من البيت يحمل هاتفه النقال يتحدث الى متصل مجهول بعد أن أشار اليّ بإصبعه أن افتح الباب، فتحته وخرج مع كلماته المتلككة. راقبته من النافذة على غير عادتي حتى اختفى. لم اكسر الفنجانين على الطاولة بل غسلتهما برفق ، لم ارم بأعقاب السجائر بغضب، ولم اكسر المنفضة الجديدة التي اشتريتها خصيصا له، لم ارم بهاتفي على الأرض كما كان يلح علي عقلي الغاضب، ولم اخضع لرغبته أيضا –عقلي- في كسر المرآة التي لا أرى فيها كل يوم إلا صورتي لم اخبره انه الوحيد الذي يدخل هذا البيت لأحرمه الفرح بتفرده، ولم اخبره انه ا لوحيد الذي اشتم رائحتي خلال سنين كي لا يشعر بالفخر ، ولم اخبره أنني لست عاهرة كي لا يستمتع بتميزه لكنني لم استطع ان امنع نفسي من البكاء ..
قبل الظهر
ابتسم للمارين على جانبي الطريق بقلق من ينتظر نتيجة امتحان ، هل أحاول الاتصال ، لانتظر قليلا . اصل البيت على عجل كمن نسي إناء يغلي على النار ويأمل بان لا يكون قد احترق، أداعب طفلا وقف بالباب يقول انه جاري، أتحبب إليه، كي يقول أني حسنة الطباع فلا يخبر الآخرين عن الرجل الذي يحبني أكثر من مرتين في الشهر. انفض الغبار عن السجادة الخفيفة ، امسح الهواء بعطر خصص ليحفظ الجلد طريا ، ارتب الأواني كي يبدو البيت مريحا للنظر ، افتح النوافذ واطفيء النور الأبيض المزعج الذي يجذب أنظار المارة بنفس الكم الذي يجذب فيه الناموس. انظر حولي كآلي يمسح المكان بحثا عن مواد متفجرة ، لا شيء ، إذن كل شيء مرتب ونظيف ، اذهب لمرآتي انظر فيها جيدا ، هل أضيف بعض الرتوش ، لا سيكون ذلك مبالغ فيه ، فاخرج ثم اعدل عن رأيي فأعود ، أضيف بعض الألوان فأبدو كمهرج أو كما كانت تقول أمي " متل عروسة المولد " ، ثم أبدأ رحلة البحث عن ورق التنظيف فأجده أخيرا خلف السرير. امسح الألوان واغسل وجهي افرك جسدي جيدا ، افركه بصابون معطر على عجل تنسكب العبوة كلها في حوض الاستحمام ، فلا اكترث. اجلس الى الطاولة انظر في هاتفي، هل أَتصل ، لأنتظر قليلا قال انه سيأتي ، افتح جهاز اللابتوب فأجد الضوء اخضر قرب الاسم، لماذا ما زال هناك؟ لماذا لم يتحرك بعد؟ انظر جيدا في الشاشة ، الضوء ما زال اخضر انه هناك على الطرف الآخر ، انتظر قليلا ، انتظر كثيرا ، لم اكتب له شيئا كي لا يشعر بالكبرياء ، افصل القابس عن الكهرباء لأفصل نفسي عن شاشة الانتظار. لم اسمح لنفسي بالتفكير كي لا تهزمني الظنون، لم انظر من النافذة كي لا يسجنني إطارها الضيق ، لم أطلق قدمي في البيت لتفريغ التوتر، بل جلست هادئة مستكينة انظر في هاتفي .. ولم امنع نفسي أخيرا من الاتصال به
وما بينهما
أجوب البيت لا سعيدة ولا حزينة، انه ذلك الشعور في المنتصف كمن يمسك عصا تتأرجح إما أن تهوي إلى ذلك الجانب أو إلى ذاك ، كلمة بسيطة أو إيماءة توقع بك الي احدهما. جاء صوته بعيدا سآتي بعد قليل. لماذا كان الصوت بعيدا؟ لماذا بعد قليل؟ لماذا ليس الآن؟ يدفعني شيء ما لأذهب فورا لروزنامتي المعلقة مباشرة فوق الغاز ، اسحب الأوراق المزركشة بدوائر زيتية قديمة من اثر الطبخ تحتها، اسحبها الواحدة بعد الأخرى حتى تظهر صفحة اليوم الأربعاء، السادس من تموز 2011 ابتعد قليلا وانظر إليها أتأملها .. ستة زائد سبعة يساوي ثلاثة عشر ، انه رقم شؤم ، احد عشر زائد اثنان يساوي ثلاثة عشر انه عام شؤم أيضا جلست قبالتها انتظر، و قد توقفت العصا عن التأرجح بين طرفين.
رماح جبر 6 تموز 2011
|