|
أقل مجازا - محاولة في القول-
داليا طه
عادة حين أكتب، لأنني لا أعرف ماذا سأقول، أول لأن كل محاولة في القول هي بحث في إمكانية هذا القول وشكله، تردداته واحتمالاته، ألجأ للمجاز، وأيضا لأنني لا أستطيع أن أقول شيئا خارجه كما لو أن الكتابة هي الاحتفاء الدائم بانكسارها، وكأنما الكلمات لا تتشكل إلا في تلك اللحظة الهشة التي تجعل من لحظة ولادتها لحظة تلاشيها ولهذا أردت أن أكون لمرة أقل مجازا ليس فقط من أجل صديقتي مايا التي تنتظر مني أن أخون مراياي، وترى في الخروج من المجاز مجازا أعمق يدخل باللحظة الشعرية عالمها الأرحب، هناك حيث يتشكل الغياب بإيقاع ارتحالنا عنه وحيث يصبح اليومي والمهمش والمبتذل فضاءات معدة للدهشة والاختلاف تحتفي بهواجسها وانفعالاتها التي تتفتح كقصائد خجولة أمام أعيننا المغلقة. بل لأحدق مرة في الكون دون أن أكون مفتونة بما لا أراه.
وسواء سأكون مع الزمن أقل أو أكثر مجازا، فإنني كتمرين على الرؤية والكتابة والخروج، سأحاول أن أكتب هواجس لا تحتمل التأويل أو التأمل
لا أستطيع النوم، وأنا لا أحب الليل، وحين يجافيني النوم كالليلة لا أفعل شيئا سوى التقلب في الفراش بعينين مفتوحتين في العتمة أو قضاء الساعات أروح جيئة وذهابا بعصبية في الممر الطويل بين غرفة نومي والباب الرئيسي، "وفي الحقيقة فإذا لم يكن أمامك السكن إلا في شقة فإن الممر الطويل والشرفة هما أهم ما يجب أن تتأكد منهما، فكلاهما الوسيلة الوحيدة لتتقرب من الخارج حين تكون معلقا في الطابق السابع أو التاسع". ما يزيد توتري هذه الفترة أنني لا أستطيع الكتابة، منذ سنين بعيدة وأنا مسكونة بالخوف من فقدان اللغة، أن أستيقظ فأجدها قد تلاشت وأن أستدعي المفردة فلا تأتي كما يحدث معي أحيانا كثيرة حين تختفي الكلمات من ذهني، ولهذا أفضل الكتابة على القول، لأن الكتابة تحتمل كل ما هو قيد التشكل، ولأنه في أحيان كثيرة فإن هذا التلاشي الكلي للكلمات الذي يفزعني حين يصيبني وأنا أتحدث، يعيد الكتابة إلى فعلها الأول كمقولة لا تتشكل إلا في استحالتهاغيابها، وكمقولة وفية لغياب المفردة في حضور المعنى. ولأنني لا أستطيع النوم ولأنني كنت أحاول عبثا أن أكتب هذه الفترة، قررت أن أحاول الكتابة، وطبعا ككل النصوص في حياتي التي كتبتها فقط لأنه كان علي أن أكتب نصا آخر أو لأنني كنت في غمر نص آخر ثم مللته، ظللت أقلب بين نافذتي وورد واحدة لنص قديم غير مكتمل، وواحدة لصفحة فارغة، امتلأ حتى الآن أكثر من نصفها.
الساعة الآن الثالثة والنصف، ونصي هذا الذي هو في معنى آخر محاولة "مجازية" للمصالحة ما بيني و بين الليل، سيجعل غدي أكثر إثارة، حين استيقظ مدفوعة برغبة ملحة وفضول مغري لقراءة ما كتبت البارحة. في الحقيقة فالكتاب هم حالة حب دائما مع أنفسهم، حين يغيب الكاتب عن نصه يعود إليه كمن يقرأ رسالة من حبيب منتظر، اللهفة والشوق ثم خيبة الأمل الكبيرة حين يكون النص سيئا بالطبع كما سيحدث معي في الصباح! جميع النصوص مرايا، ورغبة مني لأني أحب أن آخذ الأمور لأقصاها بأن أكون فعلا أقل مجازا، وربما أيضا لأنني مستمتعة خفية بهذا التحلل المشروط من المجاز سأقول بابتذال "مجازي" أن هناك نصوص نبدو فيها فيتجونيك ونصوص لا، ولأن الصور التي لا تعجبنا عادة هي الصور التي تضحكنا، لأن الضحك هو حزن أبيض فأنا أعرف أن هذا النص سيكون من أكثر النصوص التي تضحكني.
دائما يعيدني غياب الشعر إلى البحث عنه في أماكن أخرى، في الماضي كنت أؤمن به حد المرض، كان على كل شيء أن يكون شعرا، المسرح، الهندسة، الترميم، الكتابة، القراءة، الفيزياء، كأنه خارج الشعر تظل الهويات مجرد محاولات باهتة لمحاكاة ذاتها وكأنه داخل الشعر وحده تنجو من ماهيتها. في سنتي الأولى بالجامعة البحث عن الأجوبة، والتيه الفكري جعلاني وقبل أن أكتشف أنني أكثر خجلا من أن أكون ممثلة انضم لفرقة مسرح كان أسسها الراحل يعقوب اسماعيل، لماذا من بين الذين رحلوا يعود دائما إلى الذاكرة؟ ولماذا دائما أتوقع أن أصادفه في شوارع رام الله بعينيه الماكرتين وشورته القصير، أو لمحه في مقهى رام الله يلعب النرد. دائما كنت أرغب بالكتابة عنه ليس فقط وفاء لكلماته الأولى التي فتحت عيني على الغياب كمجاز محتمل، وعلى المجاز كاحتمال غائب، بل لأنني إلى الآن لا زلت أصدق فيه الحياة أكثر، ولأن جسده الذي لا يتوقف عن الحركة والقفز كان يضحك من كل شيء حتى ذاته، وهذه موهبة فليس بمقدور الكثيرين أن يكونوا تراجيديين كفاية ليسخروا من ذاتهم، ولم أكتب شيئا رغم ذلك ولن أفعل، ربما أيضا لأن الكتابة عن اللذين رحلوا صعبة ومحبطة ويجب أن تكون أكثر خفة من وقع خطاهم في الهباء، كطقوس الغجر الذين حين يموت أحد منهم لا يزعجونه بالعويل والصراخ بل يرقصون حوله ويشربون نخبه ثم يكملون مسيرتهم تاركينه ليصير ريحا تلمع في أناشيدهم. لم ينتهِ
|