إتصل بنا دفتر الزوار من نحن الصفحة الرئيسية    
Logo
لغة المجاز
دع الفوضى تعم
الذين رقصوا للفراغ
كن كحبيبات القهوة
الأرشيف
 
 
Banner


كن كحبيبات القهوة


 
عن كتاب غُسان قلبي لصلاح حزين
مايا أبو الحيات

لأسباب وجودية محضة لم أعد أؤمن بالمجاز ولا بشاعرية الموت أو انفتاح الغياب على احتمالات الوجود
فالموت بتعريفي الجديد هو جسد يحاول الجميع التخلص منه خشية وقوعه بمحظور التعفن والتحلل والإقالة
وهو كما أكرر لأصدق موجودا لحظة انشغال الذهن فيه فهو للميت أمر لا يعرف أنه حصل بحكم أنه ميت وللفاقدين شأن لا بد من التعامل معه لإحالته بدواعي حماية الذهن من الأنفجار إلى النسيان ثم إلى الذاكرة
وقد أصل أقصى حالات التطرف فأقول أن علينا اتباع ثقافة تربوية يصبح فيها الحديث عن الموت لا يستدعي الشجن وأقول في نفسي سأعلم أطفالي ألا يحزنوا على الموت فأن مت فاليوزعوا الملبس والورود والكلام الطيب ويحضروا المنزل للساكنين الجدد
لم يكن غسان ميتا ليكتب أباه نصا في رثائه يكون وسيلته في التعامل مع الأمر ولم يكن حيا فلا يفكر في الغياب واحتمالاته إلا في كوابيس عابرة
كان ميتا يشبه الحي حيا يشبه الميت حالة معكوسة من الموت والحياة فالجسد هنا في كامل عنفوانه يقهر الموت بوجود استثنائي للجسد المادة ويقهر الحياة بغياب الوعي شرطها الأساسي
هو وجود ملتبس يفسره كل على هواه فربما هي استثنائية هذا الفتى الذي سيستفيق يوما استفاقة رومانسية ينهي بها ما بدأه أباه في سيرته أو يموت في لحظة غير رومانسية ينهي فيها ثنائية ملتوية للحياة والموت ولا جدوى سنوات من وجود غير موجود
تواجهك السيرة بكل ما لا تريد مواجهته وكل ما تقنع به نفسك انه يحصل للغرباء بعيدا عنك فأنت تعرف خطوتك القادمة وأرضك صلبة وتعلم يقينا أن كل شيء مفتوح وأنها لينة تلك الأرض ومتحركة وقد تودي بك وبمن تحب بطرفة قلب
"لا أب عليه أن يدفن أبنه" يردد ملك ما في فيلم اجنبي تعلق في رأسي الجملة منذ سمعتها كما علقت في رأس صلاح جملا أخرى مشابهة
هل هي القسوة التي جعلت الأمر مفزعا هل لأن المتعارف يجعل الأمر سهلا فالأب سيموت وهي حتمية يفكر فيها جميع الأبناء بتعقل زائد فكل شيء يشير إلى ذلك
نسيان الوجوه
علبة الضغط فوق الثلاجة
إربة المساء
تهييء الحياة الجسد للرحيل بأن تفقده شكله الذي كانـ فلا تحسر على الجسد المستهلك ثلاث أيام للعزاء وينتهي الأمر هكذا تقنع الحياة مريديها
لكن الفجيعة تحصل وتحصل لأنها غير متوقعة غير محسوبة وغير منتظرة
بحثت عن غسان على الشبكة العنكبوتية قبل أن أنهي الكتاب، كنت خائفة من موته وخائفة من بقائه حيا، وكنت قد قرأت منذ فترة قريبة جدا مقطعا من رواية "عودة الشهداء" للطاهر وطار عن الشهداء العائدين إلى الحياة الممنوعين من الدخول، ووجدت غسان ممنوعا جديدا هو العائد من بياض أو عتمة لم نشهدها نحن الأحياء، الواثقين من خطوتنا
ويأخذك صلاح حزين إلى مقاربة أخرى للموت
فلو سافر غسان لتغطية أخبار حرب لبنان واستشهد هناك لكان موتا مستحقا يرفع الرأس لكنه حادث السيارة حدث يومي، كأن تسقط على رأسك حصا من الطابق العاشر، أو تنزلق رجلك على درج فتنكسر عنقك، أو تسد حبة زيتون مجرى تنفسك
موت دنيئ لكنه موت
وكل مخرجات الموت واحدة
لم يتطرق صلاح إلى كل ما هو يومي في حالة غسان فغسان كالشهداء رغم أنه حي يتحولون فجأة إلى أنبياء ويتضخمون في الذاكرة لوحة نقية لا قرب فيها
وكنت أخاف على غسان بعد موت أبيه وربما لاحقا إن تبعه الأخرون من تحوله إلى غرض يشبه الكنبة أو الطاولة غير المستعملة التي ربما ينزلها أحدهم إلى القبو من أجل اشغال المكان بالوافدين الجدد
قاسية أعلم أنا وهذه الصورة
لكنها قسوة هذا الوجود الغير عبثي
فإن كان عبثيا فتبا له وإن لم يكن فلماذا؟
عودة للصفحة الرئيسية

 

Footer
Adab Footer